
حين يصبح البيت مصدرًا للضغط بدلًا من الأمان
غيث محمد١٥ سبتمبر ٢٠٢٦٠
قسم الأسرة والعلاقاتالحياة والمجتمعالتعامل مع المراهقينالبيت هو المكان الذي يفترض أن يعود إليه الإنسان عندما يتعب من العالم، لا المكان الذي يحتاج إلى الهروب منه ليستريح.
ومع ذلك، يعيش بعض الأبناء داخل بيوت جميلة من الخارج، مستقرة في نظر الآخرين، بينما يحملون في داخلهم شعورًا دائمًا بالتوتر والحذر؛ يفكرون كثيرًا قبل أن يتحدثوا، ويحسبون كلماتهم، ويخفون مشاعرهم، لأنهم لا يعرفون كيف سيكون رد الفعل.
ليس كل بيت هادئ من الخارج آمنًا من الداخل، وليس كل ابن صامت بخير.
أحيانًا لا يحتاج الإنسان من أسرته إلى حلّ مشكلاته، ولا إلى محاضرة طويلة، ولا إلى مقارنة بينه وبين غيره؛ كل ما يحتاجه أن يجد شخصًا يقول له: «أنا أسمعك، وأفهم أنك متعب، وتستطيع أن تتحدث معي دون خوف.»
عندما يصبح الكلام عبئًا
وهو من أكثر الأشياء التي تجعل المنزل مصدرًا للضغط أن يشعر أحد أفراد الأسرة بأنه غير قادر على التعبير عمّا بداخله.
قد يحاول الابن الحديث عن مشكلة تؤلمه، فيسمع بدلًا من ذلك:
«الأمر بسيط.»
«هناك من يعيش أسوأ منك.»«أنت تبالغ.»
«نحن تحملنا أكثر منك.»
«لا يوجد شيء يستحق كل هذا.»
قد تبدو هذه الجمل بسيطة لمن يقولها، لكنها قد تجعل الطرف الآخر يتوقف عن الحديث تمامًا.
فالمشكلة ليست دائمًا في قسوة الكلمات وحدها، بل في الرسالة التي قد تصل معها: «مشاعرك ليست مهمة بما يكفي لكي أستمع إليها.»
وماذا لو أصبح البيت فعلًا مصدرًا للضغط؟
البداية ليست في البحث عن الأسرة المثالية؛ فلا توجد أسرة بلا خلافات.
البداية في أشياء صغيرة:
أن نستمع قبل أن نحكم.
أن نسأل قبل أن نفترض.
أن ننصح دون إهانة.
أن نصحح الخطأ دون تحطيم صاحبه.
أن نتوقف عن المقارنات.
أن نعترف عندما نخطئ.
وأن نجعل أبناءنا يعرفون أن بإمكانهم العودة إلينا عندما تضيق بهم الحياة.
كما أن الوالدين أنفسهم بشر، ولديهم ضغوطهم وتعبهم ومخاوفهم. ولذلك فإن بناء بيت أكثر أمانًا لا يعني تحميل أحد الطرفين كل اللوم، بل يعني أن يتعلم أفراد الأسرة جميعًا كيف يتعاملون مع بعضهم بطريقة أكثر احترامًا ورحمة.
فالوالد الذي يعترف بتعبه بدل أن يحوّله إلى غضب، والابن الذي يتعلم التعبير عن مشاعره بدل كتمانها، والأخ الذي يتوقف عن السخرية من أخيه، جميعهم يشاركون في صناعة بيئة أكثر أمانًا.
في النهاية...
لا يحتاج الإنسان إلى بيت خالٍ من المشكلات؛ يحتاج إلى بيت يستطيع فيه أن يواجه مشكلاته دون أن يشعر أنه وحده.
فالأسرة ليست المكان الذي يجب أن نخاف فيه من الخطأ، بل المكان الذي نتعلم فيه كيف نصلحه.
وليست الأسرة مطالبة بأن تمنح أبناءها حياة بلا ألم؛ فهذا مستحيل. لكنها تستطيع أن تمنحهم شيئًا أهم: شعورًا بأنهم ليسوا وحدهم عندما يأتي الألم.
قد ينسى الابن تفاصيل كثيرة مما قدمته له أسرته، لكنه قد يتذكر لسنوات طويلة الطريقة التي جعلته يشعر بها وهو ضعيف.
قد لا يتذكر النصيحة التي قيلت له، لكنه سيتذكر من جلس بجانبه عندما كان متعبًا.
وقد لا يتذكر عدد المرات التي عوقب فيها، لكنه سيتذكر جيدًا إن كان يستطيع أن يقول: «أنا خائف» دون أن يُسخر منه، وإن كان يستطيع أن يقول: «أنا أخطأت» دون أن يشعر أن قيمته انتهت.
اجعلوا البيت مكانًا يستطيع الإنسان أن يعود إليه بقلبه، لا مجرد مكان يعود إليه بجسده.
لأن العالم في الخارج قد يكون قاسيًا بما يكفي،
فلا ينبغي أن يضطر الإنسان إلى البحث عن الأمان بعيدًا عن المكان الذي يفترض أن يجده فيه.
المراجع والمصادر
UNICEF. (2021). UNICEF’s vision for elevating parenting: A strategic note. UNICEF.
Diamond, G. S., Diamond, G. M., & Levy, S. A. (2013). Attachment-based family therapy for depressed adolescents. American Psychological Association.
سجّل الدخول لتقييم هذا المقال وكتابة رأيك. تسجيل الدخول