
اثر وسائل التواصل الاجتماعي على الشباب
ISVBDSWN8١١ سبتمبر ٢٠٢٦١
قسم الأسرة والعلاقاتالحياة والمجتمعظواهر اجتماعيةفيما يلي مقال أكاديمي متكامل باللغة العربية الفصحى، مع الاعتماد على دراسات ومراجعات علمية حديثة ومصادر مؤسسية موثوقة. وتجدر الإشارة إلى أن العلاقة بين وسائل التواصل الاجتماعي والصحة النفسية ليست علاقة بسيطة أو أحادية الاتجاه؛ إذ تختلف آثارها بحسب طبيعة الاستخدام، ومدته، وخصائص المستخدم، ونوع المحتوى والتفاعل الذي يتعرض له. �
دوي +١
الكتابة
أثر وسائل التواصل الاجتماعي في الصحة النفسية
مقدمة
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية في العصر الحديث، إذ أتاحت للأفراد إمكانية التواصل وتبادل المعلومات والصور والأفكار بصورة فورية، وأسهمت في تقليص المسافات الجغرافية بين الناس. وأصبحت منصات مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك وإكس وغيرها حاضرة بصورة خاصة في حياة فئة الشباب والمراهقين، الذين يستخدمونها للتواصل والترفيه والتعلم والتعبير عن الذات.
ومع الانتشار المتزايد لهذه الوسائل، برزت تساؤلات عديدة حول تأثيرها في الصحة النفسية، ولا سيما في ظل ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب والشعور بالوحدة واضطرابات النوم لدى بعض الفئات. وتشير الأدلة العلمية الحديثة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تحمل آثارًا إيجابية وأخرى سلبية في الوقت نفسه؛ ولذلك لا يمكن اعتبار استخدامها ضارًا بصورة مطلقة أو نافعًا بصورة مطلقة. وإنما يتوقف تأثيرها إلى حد كبير على كيفية استخدامها، ونوع المحتوى الذي يتعرض له الفرد، وطبيعة العلاقات التي يبنيها عبرها، ومدى تحكمه في الوقت الذي يقضيه عليها.
وتزداد أهمية دراسة هذه القضية لدى المراهقين والشباب؛ لأن هذه المرحلة العمرية تتسم بتغيرات نفسية واجتماعية كبيرة، وبحاجة متزايدة إلى القبول الاجتماعي وتكوين الهوية. وقد حذرت الجهات الصحية من ضرورة التعامل مع الاستخدام المكثف أو الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي بحذر، خاصة لدى صغار السن.
أولًا: مفهوم وسائل التواصل الاجتماعي والصحة النفسية
يقصد بوسائل التواصل الاجتماعي مجموعة المنصات والتطبيقات الرقمية التي تسمح للمستخدمين بإنشاء المحتوى ونشره والتفاعل معه والتواصل مع الآخرين. وتختلف هذه المنصات في طبيعتها؛ فبعضها يركز على الصور والفيديوهات، وبعضها على المحادثات، وبعضها على بناء المجتمعات الرقمية أو مشاركة الأخبار والمعلومات.
أما الصحة النفسية فهي حالة من الرفاه النفسي والاجتماعي تمكّن الفرد من التعامل مع ضغوط الحياة، وتكوين العلاقات، واتخاذ القرارات، وممارسة أنشطته اليومية بصورة مناسبة. ولذلك فإن الحديث عن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في الصحة النفسية لا ينبغي أن يقتصر على الإصابة بالأمراض النفسية، بل يشمل أيضًا الشعور بالسعادة والرضا عن الحياة، والثقة بالنفس، والشعور بالانتماء، وجودة النوم، والعلاقات الاجتماعية.
ثانيًا: الآثار الإيجابية لوسائل التواصل الاجتماعي
رغم كثرة المخاوف المرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، فإن لها مجموعة من الجوانب الإيجابية التي لا ينبغي تجاهلها.
1. تعزيز التواصل الاجتماعي
تتيح وسائل التواصل الاجتماعي للفرد الحفاظ على علاقاته مع أفراد الأسرة والأصدقاء حتى عندما تفصل بينهم مسافات جغرافية كبيرة. كما يستطيع الشخص من خلالها التواصل مع أشخاص يشاركونه الاهتمامات والهوايات والتجارب نفسها.
وقد تكون هذه الوظيفة مهمة بصورة خاصة للأشخاص الذين يعانون من العزلة الاجتماعية أو يجدون صعوبة في تكوين العلاقات وجهًا لوجه، إذ يمكن أن تمنحهم البيئة الرقمية فرصًا إضافية للتواصل وتبادل الخبرات.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن البيئات الرقمية يمكن أن تساعد في تعزيز التواصل والتعلم والوصول إلى الخدمات، مما يوضح أن التكنولوجيا الرقمية ليست ذات تأثير سلبي بطبيعتها.
2. توفير الدعم النفسي والاجتماعي
يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تساعد الأفراد في العثور على مجموعات دعم ومجتمعات تشاركهم تجارب أو مشكلات متشابهة. وقد يشعر الفرد بأنه ليس وحده في مواجهة مشكلة معينة عندما يقرأ تجارب أشخاص آخرين مروا بظروف مشابهة.
ويُعد هذا الأمر مهمًا خصوصًا عندما يكون الشخص غير قادر على التحدث بسهولة مع المحيطين به، إذ يمكن أن توفر المجتمعات الرقمية مساحة للتعبير وتبادل الخبرات.
3. الحصول على المعلومات والتثقيف
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مصدرًا سريعًا للحصول على المعلومات التعليمية والصحية والنفسية. ويمكن للمؤسسات الصحية والجامعات والمنظمات العلمية استخدام هذه المنصات لنشر التوعية والوصول إلى أعداد كبيرة من الناس.
غير أن هذه الفائدة تعتمد على جودة المعلومات؛ فوجود المعلومات على الإنترنت لا يعني بالضرورة أنها صحيحة أو موثوقة.
4. التعبير عن الذات والإبداع
توفر المنصات الرقمية فرصة للأفراد للتعبير عن آرائهم ومواهبهم وأفكارهم من خلال الكتابة والتصوير والرسم وصناعة الفيديو وغيرها من أشكال المحتوى. وقد يؤدي هذا النوع من التعبير إلى تعزيز الشعور بالإنجاز والانتماء والهوية لدى بعض المستخدمين.ثالثًا: الآثار السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي في الصحة النفسية
على الرغم من فوائدها، يمكن أن ترتبط وسائل التواصل الاجتماعي بمجموعة من المخاطر النفسية، خصوصًا عندما يتحول الاستخدام إلى استخدام مفرط أو إشكالي.
1. القلق والاكتئاب
وجدت مراجعات علمية حديثة وجود ارتباط بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وبعض الأعراض الداخلية، ومنها أعراض الاكتئاب والقلق، خاصة لدى المراهقين. وفي دراسة تحليلية شملت 143 دراسة، ظهر ارتباط إيجابي بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والأعراض الداخلية لدى المراهقين، مع التأكيد على أن طبيعة الأدلة لا تسمح دائمًا بإثبات أن وسائل التواصل الاجتماعي هي السبب المباشر لهذه الأعراض.
كما خلصت مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشر عام 2024 إلى وجود ارتباطات صغيرة لكنها ذات دلالة بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والاكتئاب والقلق، في حين كان الاستخدام الإشكالي أكثر ارتباطًا بالاكتئاب والقلق وانخفاض الرفاه النفسي.
وهنا يجب التمييز بين الاستخدام العادي والاستخدام الإشكالي؛ فمجرد امتلاك حساب على إحدى المنصات أو استخدامها يوميًا لا يعني أن الشخص معرض حتمًا للإصابة باضطراب نفسي.
2. المقارنة الاجتماعية
من أكثر الآليات النفسية التي يمكن أن تجعل وسائل التواصل الاجتماعي مصدرًا للضغط النفسي المقارنة المستمرة بالآخرين.
فالمستخدم يرى عادةً صورًا منتقاة من حياة الآخرين: نجاحاتهم، رحلاتهم، علاقاتهم، مظهرهم، ممتلكاتهم وإنجازاتهم. وفي المقابل، يقارن هذه الصور بجوانب حياته اليومية التي تتضمن بطبيعتها النجاح والفشل والضغوط والمشكلات.
وقد يؤدي ذلك لدى بعض الأشخاص إلى الشعور بأن حياتهم أقل قيمة أو أن الآخرين أكثر نجاحًا وسعادة وجاذبية منهم، وهو ما قد يؤثر في تقدير الذات والرضا عن الحياة.
3. التنمر الإلكتروني
يمثل التنمر الإلكتروني أحد أخطر الجوانب السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي، إذ يمكن أن يتعرض الشخص للإهانة أو التهديد أو السخرية أو نشر معلومات أو صور عنه دون موافقته.
وتكمن خطورة التنمر الإلكتروني في أن آثاره قد تستمر خارج المدرسة أو مكان العمل أو البيئة الاجتماعية المباشرة؛ فالرسالة أو الصورة المسيئة يمكن أن تنتشر بسرعة وتصل إلى عدد كبير من الأشخاص.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن البيئات الرقمية قد تعرض المستخدمين للعنف الإلكتروني والتنمر والعزلة وغيرها من المخاطر التي يمكن أن تؤثر في الصحة النفسية.
4. اضطراب النوم
يمكن أن يرتبط الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي بمشكلات النوم، خاصة عندما يمتد استخدام الهاتف إلى ساعات الليل.
وقد يؤدي الانشغال المستمر بالإشعارات والرسائل والمحتوى إلى تأخير وقت النوم أو الاستيقاظ المتكرر لمتابعة الهاتف. كما أن الاعتماد النفسي على الهاتف قد يجعل الشخص يشعر بالحاجة إلى التحقق من حساباته بصورة متكررة.
وأظهرت مراجعة علمية واسعة أن الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي ارتبط بمشكلات النوم، في حين كانت العلاقة بين الاستخدام العام لوسائل التواصل الاجتماعي ومدة النوم أقل وضوحًا.
5. الخوف من فوات شيء
من الظواهر المرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي ما يعرف بـ«الخوف من فوات شيء» (Fear of Missing Out)، ويقصد به شعور الفرد بأنه قد يفوّت حدثًا أو تجربة أو تفاعلًا اجتماعيًا مهمًا إذا ابتعد عن المنصة.
وقد يدفع هذا الشعور الشخص إلى تفقد هاتفه باستمرار، ومتابعة المنشورات والرسائل بصورة متكررة، مما يجعل الانفصال المؤقت عن الهاتف أمرًا صعبًا.
6. الإدمان أو الاستخدام الإشكالي
لا يعني الاستخدام الطويل بالضرورة وجود إدمان، لكن المشكلة تظهر عندما يفقد الفرد السيطرة على استخدامه، ويستمر في الاستخدام رغم ظهور نتائج سلبية على دراسته أو عمله أو نومه أو علاقاته.
وقد أشارت منظمة الصحة العالمية في تقريرها لعام 2024 إلى ارتفاع نسبة المراهقين الذين ظهرت لديهم علامات الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022 في بيانات شملت نحو 280 ألف شاب تتراوح أعمارهم بين 11 و15 عامًا في 44 دولة ومنطقة.
رابعًا: تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تقدير الذات وصورة الجسد
تعد صورة الجسد وتقدير الذات من المجالات التي حظيت باهتمام كبير في الدراسات المتعلقة بوسائل التواصل الاجتماعي.
فالمحتوى الذي يركز بصورة متكررة على معايير معينة للجمال أو النجاح أو الشكل الجسدي قد يدفع بعض المستخدمين إلى مقارنة أنفسهم بهذه المعايير. وتزداد المشكلة عندما تكون الصور معدلة أو منتقاة بعناية، لأن المستخدم قد يقارن حياته الواقعية بصورة مثالية مصطنعة عن حياة الآخرين.
وقد يؤدي هذا الأمر إلى عدم الرضا عن المظهر، وانخفاض تقدير الذات، والانشغال الزائد بالوزن أو الشكل الخارجي لدى بعض الأشخاص.
لكن من المهم عدم التعميم؛ فوسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تُستخدم أيضًا لنشر محتوى يعزز تقبل الذات والتنوع الجسدي والصحة النفسية.
خامسًا: لماذا تختلف آثار وسائل التواصل الاجتماعي من شخص إلى آخر؟
لا يتأثر جميع المستخدمين بوسائل التواصل الاجتماعي بالطريقة نفسها. فهناك مجموعة من العوامل التي تحدد طبيعة التأثير، ومنها:
مدة الاستخدام: الاستخدام الطويل قد يزيد احتمالية ظهور بعض المشكلات، لكنه ليس العامل الوحيد.
نوع الاستخدام: مشاهدة المحتوى بصورة سلبية تختلف عن التفاعل الإيجابي مع الأصدقاء.
نوع المحتوى: المحتوى الداعم والمفيد يختلف عن المحتوى الذي يتضمن التنمر أو العنف أو المقارنة الاجتماعية.
عمر المستخدم: قد يكون الأطفال والمراهقون أكثر حساسية لبعض التأثيرات بسبب طبيعة مرحلة النمو.
الحالة النفسية السابقة: قد يستخدم الشخص الذي يعاني أصلًا من القلق أو الوحدة وسائل التواصل بصورة مختلفة عن الشخص الذي يتمتع بصحة نفسية جيدة.
البيئة الأسرية والاجتماعية: وجود علاقات أسرية واجتماعية داعمة يمكن أن يساعد على تقليل بعض الآثار السلبية.
تصميم المنصة: الإشعارات، وخوارزميات التوصية، والتمرير المستمر، وآليات الإعجاب والمشاركة قد تؤثر في طريقة استخدام الفرد للمنصة.
ولهذا تؤكد المراجعات الحديثة أن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي يعتمد على خصائص المستخدم وطريقة الاستخدام وتصميم المنصة، وليس على مجرد عدد الساعات وحده.
سادسًا: وسائل التواصل الاجتماعي والصحة النفسية لدى المراهقين
تُعد مرحلة المراهقة من أكثر المراحل التي تستحق الاهتمام عند دراسة العلاقة بين وسائل التواصل الاجتماعي والصحة النفسية. ففي هذه المرحلة تتطور الهوية الشخصية، ويزداد اهتمام الفرد برأي الآخرين وقبوله اجتماعيًا.
وقد أشارت الجهات الصحية الأمريكية إلى أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أصبح واسع الانتشار جدًا بين المراهقين، وأن الأدلة الحالية تشير إلى وجود فوائد ومخاطر في الوقت نفسه، مع عدم إمكانية اعتبار وسائل التواصل الاجتماعي آمنة بصورة كافية لجميع الأطفال والمراهقين في ظل المعرفة الحالية.
كما أظهرت بيانات منظمة الصحة العالمية أن الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي أصبح مصدر قلق متزايد، مع وجود ارتباطات بالصحة النفسية والاجتماعية والنوم لدى بعض المراهقين. وفي الوقت نفسه، وجدت البيانات أن الاستخدام الكثيف غير الإشكالي يمكن أن يرتبط أحيانًا بمستويات أقوى من الدعم والعلاقات الاجتماعية.
سابعًا: كيف يمكن الحد من الآثار السلبية؟
لا يتمثل الحل في منع وسائل التواصل الاجتماعي بصورة كاملة، وإنما في تطوير طريقة أكثر توازنًا ووعيًا لاستخدامها. ويمكن تحقيق ذلك من خلال مجموعة من الإجراءات:
1. وضع حدود زمنية
من المفيد تحديد أوقات لاستخدام الهاتف، خصوصًا قبل النوم، وتجنب الاستخدام العشوائي المستمر طوال اليوم.
2. مراقبة نوعية المحتوى
ينبغي للمستخدم أن ينتبه إلى نوع الحسابات التي يتابعها، وأن يتوقف عن متابعة المحتوى الذي يجعله يشعر باستمرار بالدونية أو القلق أو الحزن.
3. تخصيص أوقات دون هاتف
يمكن تخصيص أوقات للجلوس مع الأسرة أو ممارسة الرياضة أو الدراسة أو القراءة بعيدًا عن الهاتف.
4. تعزيز العلاقات الواقعية
ينبغي ألا تحل العلاقات الافتراضية محل العلاقات الواقعية بصورة كاملة. فالتواصل المباشر مع الأسرة والأصدقاء يمكن أن يكون عنصرًا مهمًا في دعم الصحة النفسية.
5. تنمية الوعي الرقمي
من المهم تعليم الأطفال والمراهقين كيفية تقييم المعلومات التي يشاهدونها، وفهم أن كثيرًا من الصور والمحتويات المنشورة على الإنترنت لا تمثل الحياة الواقعية بصورة كاملة.
6. طلب المساعدة عند الحاجة
إذا أصبح استخدام وسائل التواصل الاجتماعي مرتبطًا بصورة مستمرة بالاكتئاب أو القلق أو العزلة أو اضطراب النوم أو فقدان السيطرة على الاستخدام، فمن الأفضل طلب المساعدة من مختص في الصحة النفسية بدل التعامل مع المشكلة باعتبارها مجرد ضعف في الإرادة.
ثامنًا: هل وسائل التواصل الاجتماعي سبب مباشر للاضطرابات النفسية؟
من الخطأ علميًا القول إن وسائل التواصل الاجتماعي هي السبب المباشر لكل حالات الاكتئاب أو القلق. فالعلاقة أكثر تعقيدًا من ذلك.
فقد يكون الاستخدام المفرط سببًا في بعض المشكلات، لكن من الممكن أيضًا أن يلجأ الشخص الذي يشعر بالوحدة أو القلق أو الاكتئاب إلى وسائل التواصل الاجتماعي بحثًا عن الدعم أو الهروب من مشاعره. وبالتالي قد تكون العلاقة متبادلة الاتجاه.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن العلاقة بين استخدام التكنولوجيا والصحة النفسية قد تكون ثنائية الاتجاه؛ فقد يؤدي الاستخدام المتزايد إلى تفاقم بعض المشكلات النفسية، وفي الوقت نفسه قد تدفع المشكلات النفسية الشخص إلى زيادة استخدام التكنولوجيا.
ولهذا فإن الدراسات الحديثة تؤكد الحاجة إلى مزيد من الأبحاث الطولية والتجريبية لتحديد طبيعة العلاقة السببية بصورة أكثر دقة. كما أن بعض الدراسات تعاني من اختلاف كبير في طرق قياس استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والصحة النفسية، وهو ما يجعل المقارنة بين نتائج الدراسات أمرًا معقدًا.
خاتمة
يتضح مما سبق أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت عاملًا مهمًا في تشكيل التجربة النفسية والاجتماعية للإنسان المعاصر، ولا سيما لدى الأطفال والمراهقين والشباب. فهي من جهة توفر فرصًا واسعة للتواصل والدعم والتعلم والتعبير عن الذات، ومن جهة أخرى قد ترتبط ببعض المخاطر النفسية، مثل القلق والاكتئاب وانخفاض تقدير الذات والتنمر الإلكتروني واضطرابات النوم، خاصة عندما يتحول الاستخدام إلى استخدام إشكالي أو عندما يتعرض الفرد بصورة متكررة لمحتوى ضار.
وعليه، فإن السؤال الصحيح ليس ما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي «جيدة» أو «سيئة» بصورة مطلقة، وإنما كيف ولماذا ومتى يستخدمها الإنسان، وما نوع التجربة التي يعيشها من خلالها؟ فالاستخدام الواعي والمتوازن يمكن أن يزيد من فوائدها، في حين أن الاستخدام القهري أو غير المنظم قد يزيد من مخاطرها.
ومن ثم، فإن حماية الصحة النفسية في العصر الرقمي تتطلب مسؤولية مشتركة بين الفرد والأسرة والمدرسة والمؤسسات الصحية وشركات التكنولوجيا، من خلال نشر الثقافة الرقمية، وتشجيع الاستخدام المتوازن، وتحسين تصميم المنصات، وتوفير الدعم النفسي عند الحاجة. وهذا النهج أكثر واقعية من محاولة فصل الإنسان عن التكنولوجيا، لأن الهدف الأساسي ينبغي أن يكون تحقيق علاقة صحية ومتوازنة مع العالم الرقمي.
المراجع والمصادر
أولًا: المقالات والمجلات العلمية
Fassi, L., Thomas, K., Parry, D. A., Leyland-Craggs, A., Ford, T. J., & Orben, A. (2024). Social media use and internalizing symptoms in clinical and community adolescent samples: A systematic review and meta-analysis. JAMA Pediatrics, 178(8), 814–822. https://doi.org/10.1001/jamapediatrics.2024.2078
Saleem, N., Young, P., & Yousuf, S. (2024). Exploring the relationship between social media use and symptoms of depression and anxiety among children and adolescents: A systematic narrative review. Cyberpsychology, Behavior, and Social Networking, 27(11). https://doi.org/10.1089/cyber.2023.0456
Yu, D. J., Wing, Y. K., Li, T. M. H., Chan, N. Y., et al. (2024). The impact of social media use on sleep and mental health in youth: A scoping review. Current Psychiatry Reports, 26, 104–119.
Fassi, L., et al. (2024). Social media use, mental health and sleep: A systematic review with meta-analyses. Journal of Affective Disorders, 367, 701–712. https://doi.org/10.1016/j.jad.2024.08.193
ثانيًا: التقارير والمصادر الإلكترونية الموثوقة
World Health Organization Regional Office for Europe. (2024). Teens, screens and mental health: New WHO report indicates need for healthier online habits among adolescents. World Health Organization.
World Health Organization Regional Office for Europe. (2025). Addressing the digital determinants of youth mental health and well-being: Policy brief. World Health Organization.
Office of the Surgeon General. (2023). Social media and youth mental health: The U.S. Surgeon General’s advisory. U.S. Department of Health and Human Services.
World Health Organization. (2026). Mental health, brain health and substance use: Digital environments and mental health. World Health Organization.
سجّل الدخول لتقييم هذا المقال وكتابة رأيك. تسجيل الدخول