
كيف يؤثر انفصال الوالدين في نفسية الطفل وسلوكه؟
سما الفيومي٦ سبتمبر ٢٠٢٦٣
قسم الأسرة والعلاقاتالحياة والمجتمعالتربية الإيجابيةتأثير الطلاق على الأطفال: كيف يؤثر انفصال الوالدين في نفسية الطفل وسلوكه؟
يُعدّ الطلاق من أكثر التغيرات الأسرية تأثيرًا في حياة الأطفال، فهو لا يعني بالنسبة إليهم مجرد انفصال الأب والأم، وإنما قد يعني تغير المنزل، والمدرسة، والروتين اليومي، وطريقة التواصل مع أحد الوالدين أو كليهما.
وقد يمر الطفل بعد الطلاق بمشاعر مختلفة، مثل الحزن والخوف والغضب والقلق، وقد تظهر هذه المشاعر في صورة تغيرات في سلوكه أو دراسته أو علاقاته بالآخرين. ومع ذلك، فإن الطلاق لا يعني بالضرورة أن الطفل سيعاني من مشكلات نفسية طويلة الأمد؛ إذ يعتمد تأثيره بدرجة كبيرة على طريقة تعامل الوالدين مع مرحلة الانفصال، وعلى مقدار الصراع بينهما، وعلى مدى شعور الطفل بالأمان والاستقرار.
وقد تناولت دراسات في المجتمع الأردني الآثار النفسية والاجتماعية للطلاق على الأطفال، ووجدت لدى بعض الأطفال مشاعر مثل الخوف والقلق بشأن المستقبل، إضافة إلى بعض الصعوبات الاجتماعية والنفسية.
هل الطلاق يؤثر في نفسية الطفل؟
نعم، قد يؤثر الطلاق في الحالة النفسية للطفل، خصوصًا خلال الفترة الأولى التي تلي الانفصال. فالطفل قد لا يمتلك القدرة الكافية على فهم الأسباب الحقيقية التي أدت إلى الطلاق، وقد يفسر الأحداث بطريقة خاطئة.
ومن الأفكار التي قد تراود الطفل: «هل أنا السبب؟» أو «هل سيتركني أبي أو أمي؟» أو «هل سيعود والداي للعيش معًا؟».
ولهذا فإن أحد أهم الأمور التي يحتاج الطفل إلى سماعها بوضوح هو أن الطلاق ليس خطأه، وأن الوالدين سيستمران في حبه ورعايته.
وقد تظهر الآثار النفسية في صورة:
- الحزن المستمر.
- القلق والخوف من المستقبل.
- الشعور بعدم الأمان.
- سرعة الغضب والانفعال.
- الحساسية الزائدة تجاه المواقف اليومية.
- الانسحاب من الآخرين.
- الخوف من فقدان أحد الوالدين.
- انخفاض تقدير الذات لدى بعض الأطفال.
ولا تعني هذه الأعراض أن الطفل سيعاني منها جميعًا، كما أنها لا تعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي؛ فقد تكون أحيانًا استجابة طبيعية ومؤقتة لتغيير كبير في حياة الطفل.
تأثير الطلاق في سلوك الأطفال
قد يلاحظ الوالدان بعد الطلاق تغيرًا واضحًا في سلوك الطفل. فقد يصبح أكثر عنادًا أو عصبية، أو يبدأ بالبكاء بسهولة، أو يرفض بعض القواعد التي كان يلتزم بها سابقًا.
وقد يحدث العكس أيضًا؛ فبعض الأطفال يصبحون أكثر هدوءًا وانسحابًا، ولا يعبرون عن مشاعرهم بالكلام، وإنما يظهر الضغط النفسي من خلال سلوكهم.
وفي بعض الحالات، قد يحاول الطفل جذب اهتمام الوالدين من خلال التصرف بطريقة مزعجة، لأنه يشعر بأن الأسرة لم تعد كما كانت من قبل ويحتاج إلى التأكد من أنه ما زال محبوبًا ومهمًا بالنسبة إليهما.لذلك من الأفضل ألا يتعامل الوالدان مع التغير السلوكي على أنه «سوء تربية» فقط، بل محاولة فهم السبب الذي يقف خلفه.
هل يمكن أن يؤثر الطلاق في الدراسة؟
يمكن أن تؤثر التغيرات الأسرية في تركيز الطفل وقدرته على الدراسة، خصوصًا عندما يكون منشغلًا بالتفكير في المشاكل التي تحدث في المنزل.
وقد يظهر ذلك في صورة:
- تراجع الدرجات.
- ضعف التركيز.
- كثرة النسيان.
- عدم الرغبة في أداء الواجبات.
- الغياب المتكرر عن المدرسة.
- فقدان الاهتمام بالأنشطة التي كان يحبها.
لكن من المهم عدم افتراض أن الطلاق سيؤدي حتمًا إلى تراجع التحصيل الدراسي. فالطفل الذي يعيش في بيئة مستقرة بعد الانفصال، ويحصل على الدعم من أسرته ومدرسته، قد يستعيد توازنه ويواصل نجاحه بصورة طبيعية.
تأثير الطلاق في علاقات الطفل بالآخرين
قد يشعر بعض الأطفال بالخجل من الحديث عن طلاق والديهم أمام أصدقائهم، خصوصًا إذا كانوا يخافون من نظرة الآخرين أو من طرح الأسئلة عليهم.
وقد يؤدي ذلك إلى الانسحاب الاجتماعي أو تجنب الحديث عن الأسرة.
ومن ناحية أخرى، قد يصبح بعض الأطفال أكثر تعلقًا بأصدقائهم بحثًا عن الدعم والشعور بالانتماء.
ولهذا يحتاج الطفل إلى أن يعرف أن انفصال والديه لا يجعله مختلفًا أو أقل قيمة من الأطفال الآخرين، وأن شكل الأسرة لا يحدد قيمة الإنسان أو مستقبله.
هل الطلاق نفسه هو المشكلة؟
ليس دائمًا.
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن مجرد حدوث الطلاق يعني أن الطفل سيتعرض حتمًا لأضرار نفسية. فهناك فرق كبير بين طفل يعيش بعد الطلاق في منزل هادئ ومستقر، ويحافظ على علاقة جيدة بوالديه، وبين طفل يعيش وسط صراعات مستمرة بينهما.
وفي بعض الحالات، قد يكون انتهاء الصراع الأسري المستمر أفضل للطفل من بقائه في بيئة مليئة بالمشاجرات والإهانات والتوتر.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أهمية العلاقات الإيجابية بين الوالدين والأطفال، كما تؤكد أهمية أساليب التربية الداعمة وغير العنيفة في حماية الصحة النفسية والسلوكية للأطفال.
أخطر ما يمكن أن يحدث للطفل بعد الطلاق
قد لا يكون الانفصال نفسه هو العامل الأكثر ضررًا للطفل، وإنما إدخاله في الصراع بين الوالدين.
فعندما يسمع الطفل أحد الوالدين يسيء إلى الآخر باستمرار، أو يُطلب منه نقل الرسائل بينهما، أو يُجبر على اختيار أحدهما، فإنه قد يشعر بأنه مسؤول عن مشكلة ليست مسؤوليته.
ومن أكثر الأخطاء التي ينبغي تجنبها:
- التحدث بسوء عن الوالد الآخر أمام الطفل.
- سؤال الطفل باستمرار عما يفعله الوالد الآخر.
- استخدام الطفل لنقل الرسائل أو الخلافات.
- تهديد الطفل بحرمانه من أحد والديه.
- جعل الطفل يشعر بأنه خائن إذا أحب الوالد الآخر.
- إشراك الطفل في المشاكل المالية أو القانونية بين الوالدين.
- استخدام الطفل وسيلة للضغط أو الانتقام.
فالطفل يستطيع أن يحب والده ووالدته في الوقت نفسه، ولا ينبغي أن يُطلب منه أن يختار بينهما.
كيف نساعد الطفل على تجاوز الطلاق؟
هناك خطوات بسيطة يمكن أن تحدث فرقًا كبيرًا في حياة الطفل.
1. التحدث معه بصدق وبطريقة تناسب عمره
يحتاج الطفل إلى تفسير بسيط وواضح، دون إدخاله في التفاصيل الزوجية أو تحميله مسؤولية الخلافات.
يمكن أن يسمع عبارة مثل:
«أبوك وأمك قررا ألا يعيشا معًا، لكن هذا لا يعني أن حبنا لك تغير، وأنت لست السبب في هذا القرار.»
2. طمأنته باستمرار
قد يحتاج الطفل إلى سماع الطمأنة أكثر من مرة؛ لأن الخوف لا يختفي بمجرد إخباره بأن كل شيء سيكون بخير.
يحتاج إلى أن يشعر بالأمان من خلال الأفعال أيضًا، مثل الالتزام بالمواعيد، والحفاظ على روتين ثابت، والاهتمام بدراسته واحتياجاته اليومية.
3. الحفاظ على العلاقة مع كلا الوالدين
عندما يكون التواصل مع كلا الوالدين آمنًا ومناسبًا للطفل، فإن الحفاظ على علاقة مستقرة معهما يمكن أن يساعده على التكيف مع الوضع الجديد.
الأهم هو أن يشعر الطفل بأن الانفصال بين الزوجين لا يعني أن أحد الوالدين اختفى من حياته.
4. عدم تحويل الطفل إلى طرف في الخلاف
الطفل ليس قاضيًا ولا وسيطًا ولا رسولًا بين والديه.
ومن الأفضل أن تتم الخلافات المتعلقة بالطلاق بعيدًا عنه، وأن يُعفى من التفاصيل التي لا يستطيع تحملها نفسيًا.
5. الحفاظ على الروتين
وجود مواعيد واضحة للنوم والدراسة والأنشطة والزيارات يساعد الطفل على استعادة شعوره بالاستقرار.
فالطفل يحتاج إلى معرفة ما الذي سيحدث غدًا، وأين سيعيش، ومتى سيرى كلًا من والديه.
6. الاستماع إلى مشاعره
ليس مطلوبًا من الطفل أن يكون سعيدًا طوال الوقت.
قد يكون حزينًا أو غاضبًا أو خائفًا، ومن المهم أن يشعر بأن لديه مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره دون أن يتم توبيخه أو السخرية منه.
متى يحتاج الطفل إلى أخصائي نفسي؟
قد تكون بعض التغيرات طبيعية ومؤقتة بعد الطلاق، ولكن إذا استمرت المشكلات أو أصبحت شديدة، فقد يكون من المفيد استشارة أخصائي نفسي للأطفال.
ومن العلامات التي تستحق الانتباه:
- تغير شديد ومستمر في شخصية الطفل.
- تراجع دراسي واضح.
- اضطرابات النوم لفترة طويلة.
- نوبات غضب شديدة ومتكررة.
- انسحاب اجتماعي ملحوظ.
- فقدان الاهتمام بالأنشطة التي كان يستمتع بها.
- خوف أو قلق شديد ومستمر.
- تغيرات سلوكية مفاجئة وغير معتادة.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن دعم الوالدين وتعزيز العلاقات الإيجابية بين الوالدين والأطفال يمكن أن يساهما في الحد من المشكلات العاطفية والسلوكية وتحسين العلاقة الأسرية.
الخلاصة
الطلاق تجربة صعبة قد تترك أثرًا في الطفل، لكنها ليست حكمًا على مستقبله.
فالطفل لا يحتاج بالضرورة إلى أن يعيش والداه تحت سقف واحد مهما كانت الظروف، بقدر ما يحتاج إلى بيئة آمنة ومستقرة يشعر فيها بأنه محبوب ومحترم وغير مسؤول عن خلافات الكبار.
ويمكن للوالدين تقليل الآثار السلبية للطلاق من خلال التعاون في تربية الطفل، والابتعاد عن الصراع أمامه، واحترام علاقته بكل من والديه، والاستماع إلى مشاعره، والحفاظ على روتينه وحياته اليومية قدر الإمكان.
وفي النهاية، أهم رسالة يحتاج الطفل إلى سماعها هي:
«انفصال والديك ليس انفصالًا عنك، وأنت لست السبب، وستظل محبوبًا ومهمًا لدى والديك.»
المراجع والمصادر
المراجع
الجعبلي، صفية محمد، والمساروة، سامي سلامة. (2022). التأثيرات النفسية والاجتماعية للطلاق على أبناء المطلقين من وجهة نظرهم في المجتمع الأردني. مجلة العلوم التطبيقية الحديثة، 16(2)، 1–10.
الغرايبة، فاكر محمد، وعليمات، حمود سالم. (2012). التأثيرات النفسية والاجتماعية للطلاق على الأطفال: دراسة على عينة من الأطفال في دار الضيافة في اتحاد المرأة الأردنية. مجلة جامعة الشارقة للعلوم الإنسانية والاجتماعية، 9(2)، 97–119.
منظمة الصحة العالمية. (2023). المبادئ التوجيهية بشأن التدخلات الخاصة بالوالدية وتنشئة الأطفال والرامية إلى منع إساءة معاملة الأطفال وتحسين العلاقات بين الآباء والأبناء فيما يخص الأطفال من سن الولادة حتى 17 عامًا. منظمة الصحة العالمية.
منظمة الصحة العالمية. (2024). تصميم تدخلات الوالدية وتنفيذها وتقييمها وتوسيع نطاقها: دليل لصانعي القرار والمنفذين. منظمة الصحة العالمية.
سجّل الدخول لتقييم هذا المقال وكتابة رأيك. تسجيل الدخول