
ومن مثل أبي؟
أسامة الرشايدة١٧ يوليو ٢٠٢٦٤
قسم الأسرة والعلاقاتإسلامعباداتومن مثل أبي؟
حين يُذكر الأمان، تحضر في الذاكرة ملامح أبي، وحين يُذكر العطاء، أتذكر يديه اللتين امتدتا لتمنحاني ما أحتاج إليه من غير انتظارٍ للشكر أو المقابل. أبي ليس مجرد فرد في الأسرة، بل هو السند الذي تتكئ عليه الروح، والجدار الذي يحمي أبناءه من قسوة الحياة، والقلب الذي يخفي تعبه حتى لا يرى الحزن في عيونهم.
ومن مثل أبي؟ سؤال لا أبحث له عن إجابة، لأنني أعرف أن مكانته في قلبي لا يشبهها مكان، وأن حضوره في حياتي لا يمكن أن يعوضه أحد.
أبي مصدر الأمان
منذ طفولتي، كنت أرى في أبي صورة القوة والثبات. كنت أشعر أن كل شيء سيكون على ما يرام ما دام موجودًا بالقرب مني. لم يكن الأمان عندي بابًا مغلقًا أو منزلًا واسعًا، بل كان صوته حين يطمئنني، ونظرته حين يشعر بخوفي، ويده حين تمسك بيدي لأعبر طريقًا لا أعرف نهايته.
قد لا يتحدث الأب كثيرًا عن مشاعره، وقد لا يجيد التعبير عنها بالكلمات، إلا أن أفعاله تكشف مقدار الحب الذي يحمله في قلبه. فخروجه المبكر إلى عمله، وتحمله التعب والمسؤولية، وحرصه على توفير احتياجات أسرته، كلها رسائل حب صامتة لا تحتاج إلى تفسير.
إن الأب الحقيقي لا يمنح أبناءه المال والطعام فقط، بل يمنحهم الشعور بالاستقرار والانتماء، ويزرع في نفوسهم الثقة بأن وراءهم من يحميهم ويدافع عنهم ويقف إلى جانبهم عند الشدائد.
أبي معلمي الأول
قبل أن أعرف المدرسة والمعلمين، تعلمت من أبي كثيرًا من دروس الحياة. تعلمت منه أن الإنسان لا يُقاس بما يملكه، بل بما يحمله من أخلاق ومبادئ. وتعلمت أن الكلمة الصادقة قد تكون ثقيلة، لكنها تبقى خيرًا من الكذب، وأن النجاح لا يأتي بالأمنيات، بل بالسعي والصبر والعمل.
لم يكن أبي بحاجة إلى إلقاء الخطب الطويلة؛ فقد كان يعلمني من خلال تصرفاته. كنت أراه يحترم الكبير، ويرحم الصغير، ويساعد المحتاج، ويحافظ على وعده، فأدركت أن التربية الحقيقية لا تعتمد على الكلام وحده، وإنما تقوم على القدوة الحسنة.فالأب الذي يطلب من أبنائه الصدق يجب أن يكون صادقًا أمامهم، والذي يريد منهم احترام الآخرين ينبغي أن يعامل الناس باحترام، والذي يحثهم على الاجتهاد يجب أن يكون مثالًا في الإخلاص وتحمل المسؤولية. وهكذا يصبح الأب مدرسةً يتعلم منها الأبناء من غير كتب، ويحفظون دروسها طوال حياتهم.
عطاء لا ينتظر المقابل
كم مرة أخفى أبي تعبه خلف ابتسامة هادئة؟ وكم مرة تنازل عن راحته ليمنحنا ما نريد؟ وكم حلمًا أجله حتى يساعدنا على تحقيق أحلامنا؟
إن تضحيات الآباء لا تظهر دائمًا للعيان. قد يظن الأبناء أن احتياجاتهم تُلبى بسهولة، لكنهم عندما يكبرون يدركون أن وراء كل شيء حصلوا عليه ساعات طويلة من العمل، وقلقًا مستمرًا، وتخطيطًا لا يتوقف.
كان أبي يفرح حين يراني ناجحًا، وكأن نجاحي نجاحه، ويتألم حين أخفق، لكنه لا يسمح لي بالاستسلام. كان يدفعني إلى المحاولة من جديد، ويعلمني أن السقوط ليس نهاية الطريق، وأن الإنسان القوي ليس من لا يفشل، بل من ينهض بعد كل فشل.
إن عطاء الأب لا يُحسب بما يقدمه من مال فقط، بل بما يمنحه من وقته وصحته وجهده واهتمامه. وقد أشارت اليونيسف إلى أن تفاعل الآباء الإيجابي مع أبنائهم يرتبط بتحسن صحتهم النفسية واعتزازهم بأنفسهم ورضاهم عن حياتهم على المدى الطويل. (unicef.org)
حضور الأب في حياة أبنائه
لا يحتاج الأبناء إلى أب حاضر في المنزل بجسده فقط، بل يحتاجون إلى حضوره بقلبه واهتمامه. يحتاج الابن إلى من يستمع إليه عندما يتحدث، ومن يوجهه دون أن يهينه، ومن يصحح أخطاءه دون أن يحطم شخصيته.
وقد يكون الحوار الهادئ بين الأب وأبنائه أكثر أثرًا من العقاب، لأن الابن عندما يشعر بأنه مسموع ومفهوم يصبح أكثر قدرة على التعبير عن مشكلاته وطلب المساعدة. أما الخوف الدائم، فقد يدفعه إلى إخفاء أخطائه ومشاعره.
والأب الناجح ليس الأب الذي لا يخطئ، فالكمال ليس من صفات البشر، وإنما هو الذي يراجع نفسه، ويعترف بخطئه، ويحاول أن يكون أكثر قربًا ورحمة وحكمة. إن التربية مسؤولية مشتركة بين الوالدين، وقد أكدت اتفاقية حقوق الطفل أن الوالدين يتحملان مسؤوليات مشتركة عن تربية الطفل ونموه، وأن مصلحة الطفل الفضلى ينبغي أن تكون موضع اهتمامهما الأساسي. (unicef.org)
حين يكبر الأب
تمر السنوات سريعًا، ويكبر الأب الذي اعتدنا رؤيته قويًا لا يتعب. تظهر علامات العمر على وجهه، ويصبح أكثر حاجة إلى السؤال والاهتمام. عندها تتبدل الأدوار؛ فاليد التي أمسكت بأيدينا ونحن صغار تستحق أن نمسك بها حين تضعف، والقلب الذي حمل همومنا سنوات طويلة يستحق أن نملأ أيامه بالمحبة والطمأنينة.
ليس بر الأب كلمات تقال في المناسبات، ولا هدية تقدم مرة في العام، بل هو سؤال دائم، واهتمام صادق، واحترام لا يتغير، وصبر على حاجاته، وحرص على راحته ورضاه.
ومن المؤلم أن ينشغل بعض الأبناء بحياتهم حتى ينسوا آباءهم، ثم يتمنوا بعد فوات الأوان لو أنهم جلسوا معهم وقتًا أطول أو أخبروهم بمقدار محبتهم. لذلك ينبغي ألا نؤجل التعبير عن مشاعرنا؛ فالكلمة الطيبة التي نقولها اليوم قد تصنع في قلب الأب سعادة لا نعرف مقدارها.
أبي وإن غاب
قد يغيب الأب بالسفر أو المرض أو الموت، لكن أثره لا يغيب. تبقى نصائحه حاضرة في المواقف، وتبقى عباراته تتردد في الذاكرة، وتتحول ملامحه إلى جزء من تفاصيل الحياة.
وإذا رحل الأب عن الدنيا، فإن الوفاء له لا ينتهي؛ يبقى بالدعاء له، وبالصدقة عنه، وبصلة من كان يحبهم، وبالتمسك بالقيم التي غرسها في أبنائه. فالإنسان قد يرحل بجسده، لكنه يظل حيًا بما تركه من أثر طيب وسيرة حسنة.
خاتمة
ومن مثل أبي؟ من يستطيع أن يمنحني كل هذا الحب دون أن يطلب شيئًا لنفسه؟ ومن يستطيع أن يخفي ألمه كي لا يقلقني، ويتحمل التعب حتى أعيش مطمئنًا، ويفرح لنجاحي أكثر من فرحه بنجاحه؟
سيبقى أبي في عيني أعظم الرجال، لا لأنه لا يخطئ، بل لأنه أحبني بإخلاص، وحاول دائمًا أن يمنحني أفضل ما يستطيع. سيبقى اسمه مرتبطًا بالأمان، وصوته مرتبطًا بالطمأنينة، ونصائحه نورًا يرافقني في طرق الحياة.
فيا أبي، إن عجزت كلماتي عن وصف فضلك، فإن قلبي يعرف مكانتك، وإن قصّرت يومًا في شكرك، فإنني لن أنسى ما قدمته لي. حفظك الله ما دمت حيًا، وأطال عمرك بالصحة والعافية، ورحمك رحمة واسعة إن كنت قد رحلت عن هذه الدنيا.
ومن مثل أبي؟ لا أحد؛ لأن الأب في قلب أبنائه وطن لا يتكرر.
المراجع والمصادر
منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف». (1989). «نص اتفاقية حقوق الطفل». موقع اليونيسف، https://www.unicef.org/ar/نص-اتفاقية-حقوق-الطفل/اتفاقية-حقوق-الطفل، تاريخ المراجعة: 2026.
منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف». (2018). «يعيش ثلثا الرضع في بلدان لا يحق للآباء فيها التمتع ولو بيوم إجازة أبوة مدفوعة الأجر». موقع اليونيسف، https://www.unicef.org/ar/يعيش-ثلثا-الرضع-في-بلدان-لا-يحق-للآباء-فيها-التمتع-ولو-بيوم-إجازة-أبوة-مدفوعة، تاريخ المراجعة: 2026.
منظمة الصحة العالمية. (2025). «الصحة النفسية». موقع منظمة الصحة العالمية، https://www.who.int/ar/news-room/fact-sheets/detail/mental-health-strengthening-our-response، تاريخ المراجعة: 2026.
سجّل الدخول لتقييم هذا المقال وكتابة رأيك. تسجيل الدخول