
لماذا أصبح التركيز أصعب من أي وقت مضى؟
لارا احمد ابو عريضة٥ أغسطس ٢٠٢٦٠
قسم الذكاء الاصطناعي والتقنيةتنمية الذاتمفاهيم عامةفي عالمٍ تتسارع فيه الأحداث وتتزايد فيه مصادر المعلومات، أصبح الحفاظ على التركيز تحديًا يواجه الكثير من الناس يوميًا. فبين الإشعارات المتلاحقة، وتدفق الأخبار المستمر، وتعدد المهام التي نحاول إنجازها في الوقت نفسه، بات العقل البشري يعمل في بيئة مليئة بالمشتتات أكثر من أي فترة سابقة. لم يعد فقدان التركيز مجرد مشكلة فردية مرتبطة بقلة الانضباط، بل أصبح ظاهرة مرتبطة بتغيرات عميقة في طريقة تعامل الإنسان مع التكنولوجيا والمعلومات ونمط الحياة الحديث.
يُعدّ التركيز من أهم القدرات العقلية التي تسمح للإنسان بالتعلم، واتخاذ القرارات، وإنجاز الأعمال بكفاءة. فهو يعتمد على قدرة الدماغ على توجيه الانتباه نحو مهمة محددة لفترة زمنية معينة، مع تجاهل المحفزات غير الضرورية. إلا أن هذه القدرة أصبحت تتعرض لضغوط مستمرة بسبب البيئة الرقمية التي تحيط بالإنسان في كل لحظة.
عصر الإشعارات والمشتتات الرقمية
أحد أكبر الأسباب التي جعلت التركيز أكثر صعوبة هو الانتشار الواسع للهواتف الذكية والمنصات الرقمية. فقد أصبح الإنسان يتلقى عشرات أو مئات التنبيهات يوميًا من تطبيقات التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني وغيرها. ورغم أن هذه الإشعارات تبدو بسيطة، فإنها تجبر الدماغ على الانتقال المستمر بين المهام، مما يؤدي إلى استنزاف الطاقة العقلية وتقليل القدرة على التركيز العميق.
تشير الدراسات إلى أن الانتقال المتكرر بين المهام لا يجعل الإنسان أكثر إنتاجية كما يعتقد البعض، بل يؤدي غالبًا إلى انخفاض جودة الأداء وزيادة الوقت اللازم لإنجاز الأعمال. فالدماغ يحتاج إلى وقت للانتقال من نشاط إلى آخر، وكل مقاطعة صغيرة قد تؤثر في القدرة على العودة إلى حالة التركيز السابقة.كثرة المعلومات وتأثيرها على العقل
يعيش الإنسان اليوم في عصر يمكن وصفه بعصر “فيض المعلومات”، حيث أصبح الوصول إلى المعرفة أسهل من أي وقت مضى. وعلى الرغم من إيجابيات هذا الأمر، فإن كثرة المعلومات المتاحة قد أصبحت عبئًا معرفيًا على العقل. فالعقل البشري لديه قدرة محدودة على معالجة المعلومات في الوقت نفسه، وعندما يتعرض لكمية كبيرة من البيانات فإنه يواجه صعوبة في تحديد ما هو مهم وما هو غير ضروري.
هذا التدفق المستمر للمعلومات قد يجعل الإنسان يشعر بالحاجة الدائمة إلى المتابعة والاطلاع، فينتقل بين المواقع والتطبيقات بحثًا عن الجديد، مما يقلل قدرته على التعمق في موضوع واحد لفترة طويلة.
ثقافة السرعة والنتائج الفورية
أصبح المجتمع الحديث قائمًا بشكل كبير على السرعة؛ فالرسائل تصل فورًا، والمعلومات تظهر خلال ثوانٍ، والخدمات أصبحت متاحة بضغطة زر. هذا النمط جعل الدماغ يعتاد الحصول على مكافآت سريعة ومتكررة، الأمر الذي قد يجعل المهام التي تحتاج إلى صبر وتركيز طويل تبدو أكثر صعوبة.
فالقراءة الطويلة، أو الدراسة، أو إنجاز مشروع معقد، تحتاج إلى قدرة على تأجيل الإشباع الفوري والاستمرار في العمل رغم غياب النتائج السريعة. إلا أن الاعتياد على المحتوى القصير والسريع قد يؤثر في قدرة الإنسان على البقاء منتبهًا لفترات طويلة.
تعدد المهام: وهم الإنتاجية
يعتقد كثير من الناس أن القيام بعدة أعمال في الوقت نفسه دليل على الكفاءة، لكن الأبحاث تشير إلى أن تعدد المهام غالبًا ما يكون مجرد انتقال سريع بين مهام مختلفة. فعندما يحاول الإنسان الدراسة أثناء متابعة الهاتف أو الرد على الرسائل، فإنه لا يمنح أي مهمة تركيزه الكامل.
هذا الأسلوب يؤدي إلى زيادة الأخطاء، وتقليل القدرة على التذكر، والشعور بالإرهاق الذهني. فالتركيز الحقيقي يتطلب تخصيص مساحة ذهنية لمهمة واحدة، بعيدًا عن المنافسة المستمرة بين المحفزات المختلفة.
تأثير نمط الحياة على القدرة على التركيز
لا ترتبط مشكلة ضعف التركيز بالتكنولوجيا فقط، بل تتأثر أيضًا بعوامل حياتية أخرى مثل قلة النوم، والتوتر المستمر، وقلة النشاط البدني، وسوء التغذية. فالنوم غير الكافي يؤثر في وظائف الدماغ المسؤولة عن الانتباه واتخاذ القرار، كما أن الضغط النفسي المستمر يجعل العقل في حالة تأهب دائم، مما يصعّب الدخول في حالة التركيز العميق.
كذلك فإن قلة الحركة قد تؤثر في صحة الدماغ بشكل عام، إذ يرتبط النشاط البدني بتحسين تدفق الدم وزيادة بعض العمليات التي تدعم الذاكرة والانتباه.
هل فقدان التركيز مشكلة لا يمكن حلها؟
رغم أن البيئة الحديثة مليئة بالمشتتات، فإن القدرة على التركيز ليست مهارة ثابتة لا يمكن تطويرها، بل يمكن تدريبها وتحسينها. يبدأ ذلك بتقليل مصادر التشتيت، مثل إيقاف الإشعارات غير الضرورية، وتخصيص أوقات محددة لاستخدام الأجهزة، وتنظيم المهام حسب الأولوية.
كما يساعد التدريب على التركيز من خلال القراءة العميقة، وممارسة التأمل أو تمارين الانتباه، وتقسيم العمل إلى فترات زمنية محددة مع أخذ فواصل قصيرة. إضافة إلى ذلك، فإن تحسين جودة النوم والحفاظ على نمط حياة صحي يعدان من العوامل الأساسية لدعم وظائف الدماغ.
خاتمة
أصبح التركيز أصعب من أي وقت مضى لأن الإنسان يعيش في بيئة لم تُصمم لتمنحه الهدوء، بل لجذب انتباهه باستمرار. فالتكنولوجيا، رغم فوائدها الكبيرة، خلقت عالمًا مليئًا بالمحفزات التي تنافس العقل على انتباهه. ومع ذلك، فإن استعادة القدرة على التركيز ممكنة من خلال الوعي بطريقة استخدام التكنولوجيا، وتغيير بعض العادات اليومية، وإدراك أن التركيز ليس مجرد قدرة طبيعية، بل مهارة تحتاج إلى تدريب وحماية مستمرة.
المراجع والمصادر
ب
أندرسون، كريس. (2018). التركيز العميق: كيف تنجز أكثر في عالم مليء بالمشتتات. بيروت: دار التنوير. 2018. الصفحات.
كار، نيكولاس. السطحيون: ماذا تفعل شبكة الإنترنت بعقولنا؟. الطبعة الأولى. بيروت: دار الكتاب العربي. 2011. الصفحات.
نيومان، جوناثان. علم النفس المعرفي: الذاكرة والانتباه والتفكير. الطبعة الأولى. عمان: دار المسيرة للنشر والتوزيع. 2016. الصفحات.
مقالات ومجلات علمية
الزهراني، محمد عبدالله. (2020). أثر استخدام الهواتف الذكية على الانتباه والتركيز لدى طلبة الجامعات. المجلة العربية للعلوم التربوية والنفسية، 4(16)، 115-138.
عبدالرحمن، أحمد محمود. (2019). العلاقة بين تعدد المهام والأداء المعرفي لدى الأفراد. مجلة دراسات نفسية، 29(3)، 245-267.
مواقع إلكترونية
منظمة الصحة العالمية. (2020). “النوم والصحة العقلية”، موقع منظمة الصحة العالمية، https://www.who.int، تاريخ المراجعة 2026.
مؤسسة هارفارد للصحة العامة. (2021). “أثر النوم والنشاط البدني على وظائف الدماغ”، موقع هارفارد للصحة العامة، https://www.hsph.harvard.edu، تاريخ المراجعة 2026
سجّل الدخول لتقييم هذا المقال وكتابة رأيك. تسجيل الدخول