
القواعد العامة في القانون الاردني
رنيم سليم حبش١٥ سبتمبر ٢٠٢٦٠
قسم الأسرة والعلاقاتالحياة والمجتمعمعلومات عامةمقدمة:
يُعدّ القانون مجموعة من القواعد التي تنظم سلوك الأفراد داخل المجتمع، وتحدد حقوقهم والتزاماتهم، وتبين الآثار القانونية المترتبة على تصرفاتهم. ولا تسير جميع القواعد القانونية على درجة واحدة من الإلزام؛ فمنها ما لا يجوز للأفراد الاتفاق على مخالفته، ومنها ما يترك لهم مساحة من الحرية بحيث يجوز لهم الاتفاق على ما يخالف الحكم الذي قرره المشرّع. ومن هنا ظهر التمييز الفقهي بين القواعد الآمرة والقواعد المكملة أو المفسرة، وهو تمييز له أهمية عملية كبيرة في القانون الأردني، ولا سيما في مجال المعاملات المدنية والعقود.
ويستند هذا التمييز إلى فكرة أساسية تتمثل في مدى حرية الأفراد في الاتفاق على خلاف الحكم القانوني. فإذا كان الحكم القانوني متعلقًا بمصلحة أساسية للمجتمع أو بالنظام العام والآداب، بحيث لا يجوز للأفراد الاتفاق على مخالفته، كانت القاعدة آمرة. أما إذا كان المشرّع قد وضع حكمًا قانونيًا لتنظيم العلاقة عند عدم وجود اتفاق بين الأطراف، مع السماح لهم بالاتفاق على حكم مختلف، كانت القاعدة مكملة.
ويكتسب الموضوع أهمية خاصة في القانون الأردني؛ لأن القانون المدني الأردني رقم (43) لسنة 1976 يتضمن العديد من الأحكام التي تعكس حماية النظام العام والمصالح الأساسية، وفي الوقت ذاته يقرّ مبدأ سلطان الإرادة في نطاق واسع من المعاملات، مع إخضاع هذا المبدأ للقيود التي يفرضها القانون والنظام العام والآداب.
⸻
أولًا: مفهوم القاعدة القانونية
القاعدة القانونية هي حكم عام ومجرد يضعه المشرّع لتنظيم سلوك الأفراد وعلاقاتهم داخل المجتمع، ويقترن عادةً بجزاء توقعه السلطة العامة عند مخالفته.
وتتميز القاعدة القانونية بأنها عامة ومجردة، أي أنها لا تخاطب شخصًا معينًا بذاته، وإنما تنطبق على كل من تتوافر فيه الشروط التي حددها القانون. كما أنها قاعدة ملزمة، إلا أن درجة الإلزام تختلف من قاعدة إلى أخرى؛ ولذلك يُفرَّق بين القواعد الآمرة والقواعد المكملة.
ويظهر هذا التمييز بصورة واضحة في القانون المدني الأردني؛ فالمشرّع لم يترك جميع العلاقات القانونية لإرادة الأفراد، بل وضع أحكامًا لا يجوز الاتفاق على مخالفتها، في حين ترك للأطراف في مسائل أخرى حرية تحديد مضمون العلاقة القانونية فيما بينهم.
⸻
ثانيًا: القواعد الآمرة في القانون الأردني
1. تعريف القواعد الآمرة
القاعدة الآمرة هي القاعدة القانونية التي لا يجوز للأفراد الاتفاق على مخالفتها، بحيث يكون كل اتفاق يتعارض معها معرضًا للجزاء الذي حدده القانون.
وتستهدف القواعد الآمرة عادةً حماية مصلحة عامة أو مصلحة أساسية للمجتمع، ولذلك لا يقتصر أثرها على أطراف العلاقة القانونية وحدهم، وإنما يتصل بالمصلحة التي رأى المشرّع ضرورة حمايتها.
ومن أبرز المجالات التي تظهر فيها القواعد الآمرة الأحكام المتعلقة بالنظام العام والآداب، والأهلية، والميراث، وبعض المسائل المتعلقة بالعقارات والأوقاف والأموال العامة، وغيرها من المسائل التي يحدد القانون طبيعتها وآثارها.
وقد نص القانون المدني الأردني صراحةً على أن مخالفة النظام العام أو الآداب تؤثر في صحة التصرف القانوني؛ إذ تقرر المادة (163) أن العقد يكون باطلًا إذا كان محله مخالفًا للنظام العام أو الآداب، كما عددت المادة بعض المسائل التي تعتبر من النظام العام.
⸻
2. خصائص القواعد الآمرة
تتميز القواعد الآمرة بمجموعة من الخصائص، أهمها:
أ. عدم جواز الاتفاق على مخالفتها
لا يستطيع أطراف العقد استبعاد القاعدة الآمرة أو الاتفاق على تطبيق حكم مختلف عنها؛ لأن إرادتهم لا تستطيع أن تتغلب على حكم قانوني متعلق بمصلحة محمية قانونًا.
فإذا اتفق شخصان على شرط يخالف قاعدة آمرة، فإن هذا الشرط لا يكتسب المشروعية لمجرد موافقة الطرفين عليه.
ب. ارتباطها بالمصلحة العامة
ترتبط القواعد الآمرة غالبًا بحماية مصلحة تتجاوز المصلحة الخاصة للأطراف. ولهذا فإن المشرّع يتدخل لتنظيمها بصورة إلزامية.ويظهر ذلك في القانون المدني الأردني من خلال اعتبار عدد من الأحكام المتعلقة بالأحوال الشخصية والميراث وبعض التصرفات في الأموال والوقف والعقار والتسعير الجبري من المسائل المرتبطة بالنظام العام.
ج. ترتب جزاءً عند مخالفتها
تختلف طبيعة الجزاء باختلاف القاعدة القانونية والنص المنظم لها. فقد يؤدي مخالفة القاعدة الآمرة إلى بطلان العقد أو الشرط المخالف، وقد يترتب جزاء قانوني آخر يحدده التشريع.
ومن أمثلة ذلك أن القانون المدني الأردني يقرر بطلان العقد إذا كان محله ممنوعًا قانونًا أو مخالفًا للنظام العام أو الآداب.
⸻
ثالثًا: القواعد المكملة في القانون الأردني
1. تعريف القواعد المكملة
القاعدة المكملة، وتسمى أحيانًا القاعدة المفسرة، هي القاعدة التي يجوز للأفراد الاتفاق على استبعادها أو الاتفاق على حكم مخالف لها.
ويضع المشرّع هذه القواعد لتنظيم العلاقة القانونية في حال لم يتفق الأطراف على تنظيم المسألة محل القاعدة. ولذلك فهي لا تلغي حرية الأفراد، وإنما تكمل إرادتهم عند سكوتهم عن تنظيم مسألة معينة.
ومن هنا فإن القاعدة المكملة لا تعني أن حكمها غير ملزم بصورة مطلقة؛ بل تصبح ملزمة متى لم يتفق الأطراف على حكم آخر يسمح به القانون.
⸻
2. أهمية القواعد المكملة
تظهر أهمية القواعد المكملة في منح الأفراد قدرًا من الحرية في تنظيم علاقاتهم القانونية بما يتناسب مع مصالحهم.
ففي مجال العقود مثلًا، يتيح القانون للأطراف الاتفاق على كثير من التفاصيل المتعلقة بالالتزامات والحقوق وطرق التنفيذ، ما دام الاتفاق لا يخالف نصًا آمرًا أو النظام العام أو الآداب.
وهذا يتفق مع مبدأ سلطان الإرادة، الذي يقوم على إعطاء الإرادة دورًا مهمًا في إنشاء الالتزامات وتحديد آثارها، مع بقاء هذه الحرية ضمن الحدود التي يرسمها القانون.
وقد نظم القانون المدني الأردني العقد باعتباره ارتباط الإيجاب بالقبول على وجه يثبت أثره في المعقود عليه، كما أجاز أن يرد العقد على الأعيان والمنافع والأعمال والخدمات وغيرها، بشرط ألا يكون محل العقد ممنوعًا بنص القانون أو مخالفًا للنظام العام والآداب.
⸻
رابعًا: معايير التمييز
يحتاج تحديد ما إذا كانت القاعدة آمرة أم مكملة إلى مجموعة من المعايير، ومن أهمها:
1. المعيار اللفظي
قد يستخدم المشرّع ألفاظًا تدل بوضوح على الإلزام، مثل: يجب، لا يجوز، يقع باطلًا، يحظر، يمنع.
وتساعد هذه الألفاظ في الكشف عن طبيعة القاعدة، ولكنها ليست وحدها معيارًا حاسمًا في جميع الحالات؛ فقد تكون هناك قواعد آمرة دون استخدام لفظ صريح يدل على ذلك.
2. معيار الجزاء
يُستدل على طبيعة القاعدة من الجزاء الذي رتبه المشرّع على مخالفتها.
فإذا كان القانون يرتب البطلان أو جزاءً إلزاميًا على مخالفة الحكم، فقد يكون ذلك مؤشرًا قويًا على أن القاعدة آمرة، خصوصًا إذا كان الحكم متعلقًا بالنظام العام.
3. معيار الغاية من القاعدة
يُنظر كذلك إلى الهدف الذي يسعى المشرّع إلى تحقيقه.
فإذا كانت القاعدة تهدف إلى حماية مصلحة عامة أو حماية فئة معينة أو الحفاظ على النظام العام، فإن ذلك يميل إلى اعتبارها قاعدة آمرة.
أما إذا كان الغرض منها مجرد تنظيم العلاقة بين الأفراد وتوفير حل قانوني في حال عدم وجود اتفاق، فإنها تميل إلى أن تكون قاعدة مكملة.
خامسا:النظام العام ومفهومه
يُعد مفهوم النظام العام من أهم المفاهيم المرتبطة بالقواعد الآمرة.
ويقصد بالنظام العام مجموعة المصالح الأساسية التي يقوم عليها المجتمع، والتي يرى المشرّع ضرورة حمايتها بحيث لا يجوز للأفراد الاتفاق على ما يتعارض معها.
وقد أخذ القانون المدني الأردني بهذا المفهوم بصورة واضحة. فالمادة (163) تقرر بطلان العقد إذا كان محله مخالفًا للنظام العام أو الآداب، كما تذكر من مسائل النظام العام على سبيل الخصوص بعض الأحكام المتعلقة بالأحوال الشخصية والأهلية والميراث والإجراءات الخاصة ببعض الأموال والتصرفات، إلى جانب بعض القوانين المرتبطة بالمصلحة العامة.
كما أن المادة (29) من القانون المدني الأردني تمنع تطبيق أحكام القانون الأجنبي إذا كانت تخالف النظام العام أو الآداب في المملكة الأردنية الهاشمية، وهو ما يبرز أهمية النظام العام باعتباره قيدًا على تطبيق القواعد القانونية الأجنبية أيضًا.
⸻
سادسا : القواعد الآمرة والقواعد المكملة في العقود
تظهر أهمية التمييز بين القواعد الآمرة والمكملة بصورة خاصة في مجال العقود.
فالأصل أن للأفراد حرية التعاقد وتحديد مضمون عقودهم، إلا أن هذه الحرية ليست مطلقة. فالقانون المدني الأردني يشترط ألا يكون محل العقد ممنوعًا قانونًا أو مخالفًا للنظام العام أو الآداب.
وبذلك يمكن القول إن حرية التعاقد تمارس داخل إطار قانوني؛ فإذا كان الحكم القانوني مكملًا، يستطيع الأطراف الاتفاق على حكم مختلف، أما إذا كان الحكم آمرًا فلا يستطيعون استبعاده باتفاقهم.
وتبرز هذه الفكرة أيضًا في القواعد المتعلقة بالعقود المسماة وغير المسماة، حيث يقرر القانون المدني الأردني سريان القواعد العامة على العقود، مع وجود أحكام خاصة لبعض العقود المدنية، فضلًا عن القواعد الخاصة بالعقود التجارية التي تقررها قوانين التجارة.
⸻
سابعا : أمثلة على القواعد المرتبطة بالنظام العام في القانون الأردني
من خلال أحكام القانون المدني الأردني يمكن ملاحظة عدد من المجالات التي ترتبط بصورة مباشرة أو وثيقة بالنظام العام، ومنها:
1. الأهلية والأحوال الشخصية، باعتبارها من المسائل التي أولاها المشرّع حماية خاصة.
2. الميراث، حيث لا يجوز للأفراد الاتفاق بصورة تخالف الأحكام القانونية المنظمة له.
3. التصرفات المتعلقة ببعض الأموال المحمية قانونًا، ومنها أموال الوقف والأموال المحجور عليها وبعض أموال الدولة.
4. التسعير الجبري في الحالات التي يقرر فيها القانون حماية للمصلحة العامة.
5. الشروط العقدية المخالفة للنظام العام والآداب، والتي لا تحظى بالحماية القانونية.
6. تطبيق القانون الأجنبي، إذ لا يطبق الحكم الأجنبي إذا كان مخالفًا للنظام العام أو الآداب في المملكة الأردنية الهاشمية.
وهذه الأمثلة توضح أن فكرة القواعد الآمرة لا تقتصر على مجال واحد من مجالات القانون، وإنما تمتد إلى مجالات مختلفة متى رأى المشرّع ضرورة حماية مصلحة أساسية.
⸻
ثامنا : أثر التمييز بين القواعد الآمرة والمكملة على القضاء
يلعب القضاء دورًا مهمًا في تحديد طبيعة القاعدة القانونية عندما لا يكون النص واضحًا بصورة كافية.
فالقاضي عند نظر النزاع لا يكتفي بالنظر إلى صياغة النص، بل يبحث في مضمونه وهدفه والغاية التي أراد المشرّع تحقيقها، وكذلك في الآثار التي رتبها القانون على مخالفته.
وتتضح أهمية ذلك بصفة خاصة في المنازعات العقدية، حيث قد يتمسك أحد الأطراف بشرط تعاقدي، بينما يرى الطرف الآخر أن هذا الشرط يخالف قاعدة آمرة أو النظام العام. وفي هذه الحالة يصبح تحديد طبيعة القاعدة مسألة أساسية للفصل في النزاع.
كما أن القانون المدني الأردني وضع منهجًا لتطبيق أحكامه عند عدم وجود نص؛ إذ قرر الرجوع إلى الفقه الإسلامي الأكثر موافقة لنصوص القانون، ثم مبادئ الشريعة الإسلامية، ثم العرف، ثم قواعد العدالة وفق الترتيب الذي حدده القانون، مع اشتراط عدم تعارض العرف مع القانون أو النظام العام أو الآداب.
⸻
تاسعا: أهمية التمييز بين القواعد الآمرة والمكملة
تتمثل أهمية هذا التمييز في عدة جوانب، أبرزها:
أولًا: حماية النظام العام:
يسمح للمشرّع بفرض قواعد لا يستطيع الأفراد الاتفاق على مخالفتها عندما يتعلق الأمر بمصلحة أساسية للمجتمع.
ثانيًا: حماية حرية التعاقد:
تمنح القواعد المكملة للأفراد فرصة لتنظيم علاقاتهم وفقًا لمصالحهم الخاصة، بدلًا من فرض حكم قانوني ثابت عليهم في كل الحالات.
ثالثًا: تحديد صحة الاتفاقات:
يساعد التمييز في معرفة ما إذا كان الاتفاق المخالف لحكم قانوني صحيحًا ونافذًا أم أنه يصطدم بقاعدة آمرة.
رابعًا: تحقيق التوازن بين المصلحة العامة والخاصة:
يجمع النظام القانوني بين حماية المصالح العامة من خلال القواعد الآمرة، واحترام إرادة الأفراد من خلال القواعد المكملة.
خامسًا: مساعدة القضاء والباحث القانوني:
يساعد تحديد طبيعة القاعدة في تفسير النصوص وتحديد آثار مخالفتها، خصوصًا في المنازعات المتعلقة بالعقود والتصرفات القانونية.
⸻
خاتمة
يتضح مما سبق أن التمييز بين القواعد الآمرة والقواعد المكملة يمثل أحد الموضوعات الأساسية في دراسة القانون الأردني؛ لما يترتب عليه من آثار مباشرة في تحديد مدى حرية الأفراد في تنظيم علاقاتهم القانونية.
فالقواعد الآمرة تضع حدودًا لا يجوز للأفراد تجاوزها عندما يتعلق الأمر بالنظام العام أو الآداب أو غيرها من المصالح التي تستوجب الحماية القانونية، بينما تتيح القواعد المكملة للأفراد قدرًا من الحرية، بحيث يمكنهم الاتفاق على تنظيم مختلف عن الحكم الذي وضعه المشرّع، ما دام ذلك لا يتعارض مع قاعدة آمرة أو النظام العام أو الآداب.
ويظهر القانون المدني الأردني رقم (43) لسنة 1976 هذا التوازن بصورة واضحة؛ فهو يعترف بدور الإرادة في إنشاء العقود وتنظيم آثارها، لكنه في الوقت نفسه يضع قيودًا على هذه الإرادة عندما تتعارض مع النصوص الآمرة أو النظام العام أو الآداب. ولذلك فإن معرفة طبيعة القاعدة القانونية لا تمثل مسألة نظرية فحسب، بل لها أهمية عملية في تحديد صحة التصرفات والعقود والآثار المترتبة عليها.
المراجع والمصادر
السنهوري، عبد الرزاق أحمد. الوسيط في شرح القانون المدني الجديد. الطبعة الثالثة. بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية. 2011.
وزارة العدل الأردنية. (1976). “القانون المدني رقم 43 لسنة 1976”. وزارة العدل الأردنية. النص الرسمي للقانون المدني الأردني تاريخ المراجعة: 2026.
المحامي مؤيد الذنيبات ومشاركوه. (2022). “الاتفاقات التي تخالف النظام العام”. قوانين وأنظمة الأردن. المقال القانوني تاريخ المراجعة: 2026.
المحامي مؤيد الذنيبات ومشاركوه. (2022). “إلزام المتعاقدين بتنفيذ العقد في القانون المدني”. قوانين وأنظمة الأردن. المقال القانوني تاريخ المراجعة: 2026.
المحامي مؤيد الذنيبات ومشاركوه. (2022). “النص هو الذي يعين أركان الالتزام القانوني ويبين أحكامه”. قوانين وأنظمة الأردن. المقال القانوني تاريخ المراجعة: 2
سجّل الدخول لتقييم هذا المقال وكتابة رأيك. تسجيل الدخول