تفاصيل المقال

عزف على أوتار الذاكرة والرحيل

داود ناهد القرعه١٥ سبتمبر ٢٠٢٦٠

قسم الذكاء الاصطناعي والتقنيةتقنيةمواقع التواصل الاجتماعي
تجلس الذكرى على عتبات الروح كزائرٍ قديم لا يستأذن، يطرق باب القلب في لحظة سكون، فيتداعى السقف المستعار للمكان والزمان، لنجد أنفسنا فجأة أسرى لزمانٍ مضى ولأناسٍ أبحرت بهم أيام العمر بعيداً عن شواطئنا. صمت الأمكنة وصدى الغائبين في زوايا البيت القديم، وثنايا الطرقات التي ألفناها، ثمة شحنات من المشاعر المخبأة في جدرانها. نمرُّ بالشيء فلا نراه بعيوننا الحاضرة، بل بحدقة الأمس؛ فهنا كانت ضحكةٌ ترنّ في أرجاء الصباح، وهناك كان حديثٌ دافئ ينساب مع رشفات الشاي على مهل. الأمكنة لا تتغير برغبتها، بل نحن من نخلع عليها صفة الحياة حين نكون فيها مع من نحب، فإذا ما رحلوا، استقالت الأمكنة من بهجتها، وصارت مجرد حجارةٍ صامتة ترثي أصحابها.غربة الروح في زحام العمر إن أشد أنواع الغربة ليست تلك التي تفصل بينك وبين وطنك بالمسافات والأميال، بل هي غربتك داخل نفسك حين تنظر في المرآة فلا تتعرف على ملامحك القديمة. تلك الملامح التي كانت تحمل شغفاً لا ينطفئ، وأحلاماً تتسع لأفق السماء. تمر الأيام، نركض في مضمار الحياة Daily الرتيب، نكسب أشياء ونخسر أخرى، لكن الخسارة الأوجع هي أن نفقد ذاك الألق البسيط الذي كان يجعل من أصغر الأشياء مصدراً للدهشة والفرح. أمل يولد من رحم العتمة ومع ذلك، ليست الحياة مرثية مستمرة، بل هي قصيدة تتجدد أوزانها مع كل إشراقة شمس. إن في سقوط أوراق الخريف وعداً خفياً بقدوم الربيع، وفي العتمة التي تلف المساء يقين بأن الفجر لا بد بزوغه. الروح البشرية، رغم هشاشتها الظاهرة، تحمل قدرة عجيبة على التجدد والنهوض؛ تتألم نعم، تنكسر أحياناً، لكنها تعود لترمم جراحها بالحب، وبالأمل، وبالإيمان بأن ما ينتهي ليس إلا بداية لشيء آخر قد يكون أجمل. الجمال لا يكمن في خلو الحياة من الأحزان، بل في قدرتنا على الشدو بالحب والمضي قُدماً، رغم كل ما حملناه في حقائب الذاكرة من شجون.

سجّل الدخول لتقييم هذا المقال وكتابة رأيك. تسجيل الدخول

آراء القرّاء

Copyright © 2022 BATMAN TECHNOLOGY. All Rights Reserved